الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
113
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجدتموهم لا يعقلون ؛ لأنهم كالأنعام والصمّ والبكم إلخ ، وإن كان راجعا للأصنام فالاستنتاج للتنبيه على غباوة المشركين الذين عبدوها . ومجيء الضمير لهم بضمير العقلاء تهكم بالمشركين لأنهم جعلوا الأصنام في أعلى مراتب العقلاء كما تقدم . [ 172 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 172 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) اعتراض بخطاب المسلمين بالامتنان عليهم بإباحة ما في الأرض من الطيبات ، جرّت إليه مناسبة الانتقال ، فقد انتقل من توبيخ أهل الشرك على أن حرّموا ما خلقه اللّه من الطيبات إلى تحذير المسلمين من مثل ذلك مع بيان ما حرّم عليهم من المطعومات ، وقد أعيد مضمون الجملة المتقدمة جملة يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ [ البقرة : 168 ] بمضمون جملة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ليكون خطاب المسلمين مستقلا بنفسه ، ولهذا كان الخطاب هنا بيا أيها الذين آمنوا ، والكلام على الطيبات تقدم قريبا . وقوله : وَاشْكُرُوا لِلَّهِ معطوف على الأمر بأكل الطيبات الدال على الإباحة والامتنان ، والأمر في اشْكُرُوا للوجوب لأن شكر المنعم واجب . وتقدم وجه تعدية فعل الشكر بحرف اللام عند قوله تعالى : وَاشْكُرُوا لِي [ البقرة : 152 ] . والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر لأن في الاسم الظاهر إشعارا بالإلهية فكأنه يومئ إلى ألّا تشكر الأصنام ؛ لأنها لم تخلق شيئا مما على الأرض باعتراف المشركين أنفسهم فلا تستحق شكرا . وهذا من جعل اللقب ذا مفهوم بالقرينة ؛ إذ الضمير لا يصلح لذلك إلّا في مواضع . ولذلك جاء بالشرط فقال : إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ أي اشكروه على ما رزقكم إن كنتم ممن يتصف بأنه لا يعبد إلّا اللّه أي إن كنتم هذا الفريق وهذه سجيتكم ، ومن شأن كان إذا جاءت وخبرها جملة مضارعية أن تدل على الاتصاف بالعنوان لا على الوقوع بالفعل مثل قوله : إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [ يوسف : 43 ] أي إن كان هذا العلم من صفاتكم ، والمعنى إن كنتم لا تشركون معه في العبادة غيره فاشكروه وحده . فالمراد بالعبادة هنا الاعتقاد بالإلهية والخضوع والاعتراف وليس المراد بها الطاعات الشرعية . وجواب الشرط محذوف أغني عنه ما تقدم من قوله وَاشْكُرُوا . [ 173 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 173 ] إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 )